أحمد بن محمد ابن عربشاه
268
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
الرجال « 1 » ، فما انتهى به السير ، إلا وقد مات غالب تلك الطير فوصل إلى حضرة ملك الخطا ، واشتهر في المملكة أن النديم الفلاني أتى ، فاجتمع الناس لينظروا وأمر الملك للخاص والعام فحضروا وأحضروا النعام ، في ذلك المحفل العام ، وطرح لها الحديد المحمى فخطفته والجمر والحصى فالتقفته ، فتعجب الناس لذلك وسبحوا الله مالك الممالك ، وعلم الصغار والكبار إنه يخلق ما يشاء ويختار ، فشمله الملك بمزيد الإنعام واعتذروا إليه عما مضى من ملام ، وزادت رفعته ونفذت كلمته إذ قد أثبت مدعاه ، وحقق بشاهد الحس معنى ما ادعاه ففي بعض الأوقات تذاكروا ما فات ، وانجر بهم الكلام إلى ما مر من حديث النعام . فقال النديم : أيها الملك الكريم إني تكلفت على هذه الأطيار كذا وكذا ألف دينار ، وقاسيت من المشقة في الأسفار وعاينت من شدائد الأخطار ما لا تقاسيه عيدان النار ، واستمريت في هذا العذاب الأليم المهين ، وفي سجن المشاق بضع سنين ، حتى بلغني تحقيق مرامى وتصديق كلامي ، ولولا عناية مولانا السلطان لما ساعدنى على مقصودى الزمان ولما زال عنى اسم الكذاب إلى يوم الحساب . فتبسم السلطان وقال : لقد أتيت بمحاسن وما قصرت ولكن كما يحتاج في إثبات تصديقها ، والخروج عن عهدة تحقيقها إلى صرف المال الجزيل ، وتجشم مشقة السفر العريض الطويل ، وتحمل منن الرجال وركوب الأخطار والأهوال ، وإزعاج الروح والبدن وإضاعة جانب كبير من العمر والزمن ، لأي معنى يتفوه بها العاقل ولما ذا ينطق بها مستمع أو ناقل . وإنما أوردت هذا المقول ؛ ليعلم أرباب المعقول ، من جلساء الملوك والعظماء ورؤساء الأمراء والزعماء ، خصوصا خواص القدماء وعوام الندماء ، إن شيئا يحتاج فيه إلى تعب النفس وقيد ونكال وحبس ، ثم استعمال منن جماعة وأصحاب يتقدمون إلى الشفاعة ، لا ينبغي للعاقل أن يحوم حوله ولا يعقد أبدا عليه فعله وقوله .
--> ( 1 ) قوى الرجال .